السيد محمد الصدر
69
منة المنان في الدفاع عن القرآن
بسيطٍ فيما بينها . ويعضد ما قلناه ما أفاده الراغب من المعاني الأُخر للمادّة ، كالقدح الضخم ؛ إذ الغالب أن يكون داخله مظلماً نسبيّاً ، وكذلك العسوس من النساء المتعاطية للريبة ليلًا ؛ فإنَّها إنَّما تتعاطى في وسط الليل ، أي : في زمان سيطرته وانتشاره ، لا في أوّله ولا في آخره . هذا مضافاً إلى ما مرّ من أنَّ الريبة بمعنى التخوّف والرهبة الملحوظة بالليل ، والليل كما هو واضحٌ لا يتيسّر فيه دفع البلاء ، فمن هذه الناحية يكون الليل ذا رهبةٍ وشدّةٍ . والذي يتعرّض للبلاء في الليل يصعب عليه ردّه ، بالذهاب إلى الطبيب أو دفع اللصوص ، بل الجيوش القويّة يصعب عليها القتال في الليل . بقي أن نشير إلى أمرٍ حاصله : أنَّ المادّة التي بحثنا عنها وذكرها الراغب وغيره إنَّما هي ( عس ) ، مع أنَّ الوارد في الآية ( عسعس ) لا ( عس ) ، فقد يُقال : إنَّ ( عسعس ) مادّةٌ أُخرى أو لفظٌ آخر غير ( عس ) موضوعٌ بوضعٍ لغوي آخر يدلّ على معنى آخر . ويمكن أن يُقال : أنَّ ( عسعس ) و ( عسّ ) مادّةٌ واحدةٌ ذات معنىً واحدٍ بتقريبين : الأوّل : أن نقول : إنَّ العرب نطقوها على نحوين ، وفهموها بنحوٍ واحدٍ ، فقالوا : ( عسّ ) ، وقالوا : ( عسعس ) ، وأرادوا بها المعنى المتقدّم نفسه . الثاني : أن نقول : إنَّ ( عسعس ) بمنزلة التكرار للفظ ( عسّ ) ، فكأنَّه قال : عسّ عسّ ، فيُراد به التأكيد . وهذه الأُطروحة تؤيّد ما ذهبنا إليه ؛ لأنَّ التأكيد يؤكّد شدّة الظلام لا خفته . * * * *